هل يسدل انفجار بيروت الستار على النظام الطائفي في لبنان؟

كان انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب نقطة فاصلة في الأزمة التي يعيشها لبنان. إذ أدى الانفجار، الذي زلزل بيروت ومحيطها، إلى تدمير آلاف المنازل ومقتل نحو 190 فردا علاوة على إصابة كثيرين بجراح. وأظهر الانفجار عمق الفساد وسوء الإدارة التي يعاني منها لبنان إلى الدرجة التي دفعت رئيس وزراء لبنان السابق، حسان دياب، إلى القول في خطاب استقالته يوم 12 أغسطس/آب، بعد أيام قليلة من الانفجار، “إن الفساد أكبر من الدولة في لبنان”.

على المستوى السياسي، أبرز انفجار مرفأ بيروت الهوة الواسعة بين المتظاهرين الغاضبين في شوارع المدن اللبنانية من جانب، والطبقة السياسية الحاكمة من جانب آخر. كما أبرز الانقسامات بين زعماء هذه الطبقة أنفسهم، حتى عندما يتعرض لبنان إلى كارثة بهذا الحجم، إذ اختلف هؤلاء الزعماء على فكرة التحقيق الدولي في أسباب الانفجار، التي دعا لها سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق، ورفضها الرئيس اللبناني ميشيل عون، والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله.

وكان من الطبيعي إزاء قسوة الانفجار، وانقسام الزعماء حول كيفية التعامل معه، والتدهور الكبير في مستوى معيشة أغلب اللبنانيين أن تعود المظاهرات الغاضبة بقوة إلى شوارع بيروت، وأن يتطلع المشاركون فيها إلى تغيير شامل في النظام السياسي اللبناني يضمن رحيل الطبقة السياسية الحالية بكاملها. إذ أن النظام الحالي، كما يرى منتقدوه، يمنع محاسبة المسؤولين الفاسدين طالما يتمتعون بحماية أحد كبار الزعماء، ويجعل المناصب الهامة والمؤثرة في الدولة اللبنانية حكرا على من يختاره هؤلاء الزعماء، ويمنع اختيار الاكفاء إذا كانوا خارج حسابات المحاصصة الطائفية. والنتيجة، أن الدولة اللبنانية تعاني من حالة عامة من سوء الإدارة وغياب المحاسبة والمساءلة الحقيقية لمن يتولون المناصب العامة، الأمر الذي أدى لتدهور مستمر في الخدمات، وفساد واسع النطاق. ومن ثم، لا يرى الرافضون للنظام الحالي فرصة لإصلاحه أو تحسينه، بل يريدون تغييره بشكل جذري، وبناء نظام سياسي مختلف يحقق طموحات اللبنانيين.

الحاجة لتغيير النظام السياسي

وتعززت الآمال بإمكانية تغيير هذا النظام السياسي مع زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الأولى لبيروت عقب الانفجار، وحديثه عن ضرورة العمل لإنقاذ لبنان من أكبر أزمة يشهدها منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، وتأكيد ماكرون على أن لبنان بحاجة لنظام سياسي جديد.

غير أن الصورة تغيرت مع زيارة ماكرون الثانية لبيروت بعد نحو شهر من الانفجار، والتي تزامنت مع ذكرى مئوية قيام “لبنان الكبير”. إذ تم قبل الزيارة التوافق على تكليف مصطفى أديب، سفير لبنان السابق في ألمانيا، بتشكيل حكومة لبنانية جديدة من شخصيات كفوءة، على أن تقوم هذه الحكومة بإصلاحات عاجلة مقابل حصولها على دعم دولي. كما ألتقى ماكرون بمجموعة كبيرة من السياسيين اللبنانيين، من بينهم محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله. وأكد ماكرون على أن نواب حزب الله، الذين تم انتخابهم لعضوية البرلمان، يمثلون قطاعا لا يمكن إغفاله من الشعب اللبناني. وسار ماكرون على النهج الفرنسي المعتاد في التفرقة بين الجناح السياسي لحزب الله وبين الجناح العسكري للحزب، وذلك بخلاف الموقف الأمريكي الذي يصنف حزب الله بكامله كمنظمة إرهابية. وبات واضحا أن ماكرون يسعى للضغط على قادة النظام السياسي في لبنان للقيام بإصلاحات عاجلة، ولا يسعى إلى تغيير النظام من جذوره كما كان يتطلع الكثير من المحتجين والساخطين على الطبقة الحاكمة برمتها.

النظام الحالي منع عودة الحرب الأهلية

وتبقى المشكلة أن الكثير من اللبنانيين يتفقون على رفض النظام السياسي الحالي، وانتقاد رموزه وقادته، لكنهم لا يتفقون بذات الدرجة على نظام سياسي بديل. إذ أن النظام الحالي، رغم كل عيوبه، منع العودة للحرب الأهلية، التي اكتوى اللبنانيون بنيرانها من عام 1975 حتى 1990، وانتهت باتفاق الطائف الذي وضع أسس النظام السياسي الحالي في لبنان. وقبل القادة اللبنانيون باقتسام السلطة، بعد اتفاق الطائف، بدلا من الاقتتال للاستحواذ عليها. ومن ثم، يرى البعض أن تغيير النظام القائم قد يشكل خطرا على صيغة التعايش المشترك في لبنان.

انفجار بيروت كان ابرز تعبير عن الأزمة في لبنان
انفجار بيروت كان ابرز تعبير عن الأزمة في لبنان

وتتضمن الصيغة السياسية القائمة حاليا في لبنان أن يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا، وأن يكون رئيس الوزراء مسلما سنيا، ورئيس مجلس النواب مسلما شيعيا. كما أن النظام الحالي يقسم مقاعد البرلمان اللبناني مناصفة بين الطوائف الإسلامية والمسيحية. وبالتالي يخشى قطاع من المسيحيين في لبنان أن يتراجع تمثيلهم في البرلمان إذا تم إلغاء التوزيع الطائفي للمقاعد نظرا لأن عدد المسلمين من السنة والشيعة ربما يفوق عدد المسيحيين، حسب بعض التقديرات، نتيجة الهجرة المستمرة، مع ملاحظة أن لبنان لم يقم بإحصاء رسمي للسكان منذ عقود طويلة. وهذا يعني أن تغيير النظام الحالي، واعتماد نظام التصويت المتساوي لكل المواطنين دون ضمان حصص محددة لكل طائفة، قد لا يكون مقبولا لدى البعض في لبنان.

أزمة اقتصادية خانقة

وعلاوة على مشكلات النظام السياسي بكل تعقيداته، يعاني لبنان من أزمة اقتصادية طاحنة، من أبرز ملامحها الانخفاض الحاد في قيمة الليرة اللبنانية. إذ ظل سعر صرف الليرة مستقرا لسنوات طويلة عند 1507 للدولار الواحد، وظل اقتصاد لبنان مستقرا نسبيا خاصة مع وجود قطاع مصرفي قوي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد اللبناني.

لكن تغير الوضع للأسوأ تدريجيا مع العقوبات التي تم فرضها على سوريا وإيران، وتأثرت بها لبنان، علاوة على تراجع السياحة، خاصة الخليجية، بسبب الأزمة بين السعودية وحزب الله، ثم جاءت جائحة كورونا لتفاقم الأزمة، وبعدها جاء انفجار بيروت الذي أدى لخسائر مالية تبلغ 4.6 مليار دولار حسب تقديرات نشرتها وكالة رويترز استنادا إلى بعض الخبراء.

وكانت النتيجة أن فقدت الليرة اللبنانية الكثير من قيمتها بحيث وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى سبعة آلاف ليرة أو ثمانية آلاف ليرة، وارتفعت أسعار السلع الغذائية بصورة كبيرة، وارتفعت نسبة السكان الذين يعانون من الفقر. ومؤخرا بدأ وزير الاقتصاد اللبناني راؤول نعمة الحديث عن ضرورة رفع أسعار المحروقات نظرا لأنه يتم تهريب كميات كبيرة منها، الأمر الذي، إن تم القيام به، سيؤدي لمزيد من التراجع في الدخل الحقيقي لأغلب اللبنانيين.

سبل الخروج من الأزمة

وللخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان، يقترح عادل أفيوني، وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والاستثمار السابق في لبنان، والذي كان في مقاعد السلطة حتى وقت قريب، سلسلة من الإصلاحات عبر ثلاث مراحل. المرحلة الأولى تتضمن خطة لإنقاذ لبنان من الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها، وذلك بالحصول على مساعدات خارجية من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي وغيرهما من الجهات المانحة وذلك لأن لبنان في الوقت الحالي لا يستطيع بمفرده تجاوز الصعوبات المالية، حسبما يقول أفيوني، وفي حاجة للدعم والمساندة الدوليين، ويضيف “لابد من حل للأزمة المالية الخانقة، وإلا سينهار البلد، ولن يبقى أصلا بلد يمكن أن نبحث له عن نظام جديد”.

وفي المرحلة الثانية، كما يرى أفيوني، يتم إجراء انتخابات برلمانية جديدة لكي يصل للحكم طبقة تستند إلى شرعية شعبية، نظرا لأن الطبقة الحالية فقدت شرعيتها. ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي ورشة عمل موسعة تضم لبنانيين من مختلف الطوائف للاتفاق على النظام السياسي الذي يستحقه اللبنانيون، ويحظى بتوافقهم.

ولا تختلف الدكتورة حليمة القعقور، أستاذة القانون الدولي والناشطة السياسية التي شاركت في المظاهرات المنددة بالنظام القائم، كثيرا عما ذكره عادل أفيوني في تصورها لخطة الإصلاح، فما تريد هو “وزراء ووزيرات مستقلين ومستقلات تماما عن الزعماء السياسيين. نريد حكومة مستقلة مع صلاحيات استثنائية تشريعية، ونريد عقدا سياسيا جديدا”. وترى أن النظام الحالي جاء بعد اتفاق الطائف نتيجة تسويات بين زعماء الحرب وقوى إقليمية، وآن الأوان للتخلص من هذه التسويات، وتضيف” “نريد أن نبني بلدا قويا قادرا عادلا. نريد دولة عادلة تفصل الدين عن الدولة، وتضمن حقوق الجميع على اختلاف طوائفهم. هذا ما طالب به المتظاهرون”.

ولعل الكثير من اللبنانيين يتفقون مع ما تقول، لكن إذا كان زعماء الطوائف يتمتعون بنفوذ كبير بين أتباعهم، ولهم دور كبير في إدارة الدولة بشكلها الحالي، فهل يقبلون بنظام آخر يحد من نفوذهم؟

وإذا كان هناك شبه إجماع بين اللبنانيين على أن النظام الحالي لا يعمل، فما هو النظام السياسي البديل الذي قد يحظى بتوافق أغلبية اللبنانيين حوله؟ هل يمكن فعلا إلغاء الطائفية السياسية القائمة في لبنان؟

وهل يكفي إجراء إصلاحات في ظل النظام الحالي، مثل تشكيل حكومة من شخصيات تتمتع بالكفاءة والدعوة لانتخابات جديدة، لإنقاذ لبنان؟

كلها تساؤلات تنتظر الإجابة عليها في الفترة القادمة إذا كانت هناك رغبة صادقة في إنقاد لبنان من أكبر أزمة يشهدها منذ نهاية الحرب الأهلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *