Jerusalem panoramic roof view to christians, jewish and muslims sacred places

“بما أن السؤال كان سؤال الشعر وفلسطين في منطقة الخليج العربي كان لا بد لي من الإشارة إلى أن فلسطين تحوّلت من اسم وطن محتل إلى أن تكون رمزا لكل الأوطان المحتلة ولكل الحقوق المسلوبة”

سعدتُ بدعوة كيان شبابي خليجي ناشئ بعنوان “ائتلاف الخليج ضد التطبيع” للحديث، ضمن مجموعة من الناشطين في مقاومة التطبيع مع الصهاينة، عن دور الشعر في نصرة القضية الفلسطينية، عبر ندوةٍ نظّمها “الائتلاف” في منصّة يوتيوب، أول من أمس. وعلى الرغم من أن الحديث في هذا السياق مكرّر، إلا أنه يبقى مهما دائما في وقتٍ يستغل فيه دعاة التطبيع كل المنصّات المتاحة لترويج دعاواهم، ما يجعل مثل هذه المبادرات الشبابية تحديدا فعل مقاومة مطلوب دائما في إطار تعزيز الوعي بأهمية مقاومة التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني بكافة أشكاله وفي كل زمان ومكان، ومواجهة دعاوى التثبيط، المباشرة منها وغير المباشرة، والتي لا يمكن قبولها على نحو بريء أبدا، حتى وإن بدا كذلك أحيانا!

وبما أن السؤال كان سؤال الشعر وفلسطين في منطقة الخليج العربي، كان لا بد لي من الإشارة إلى أن فلسطين تحوّلت من اسم وطن محتل إلى أن أن تكون رمزا لكل الأوطان المحتلة، ولكل الحقوق المسلوبة ولكل قضايا الحق. وربما لهذا هي مغرية جدا، اسما ووطنا وحقيقة وقضية لأي شاعر، كي يتخذ منها موضوعا لقصيدته. والشعراء العرب كلهم تقريبا، ومنذ احتلال فلسطين، بل قبل الاحتلال بعقود، وضعوا فلسطين في قلب قصائدهم .. واتخذوها أيقونة شعرية لا تقاوم

وفي التحضير للندوة، لاحظت أن شعراء الكويت ربما كانوا الأسبق من بين شعراء المنطقة في الالتفات إلى فلسطين قضية، بوضوح وجرأة ووعي أيضا، حيث بدأ الاهتمام بتلك القضية حتى قبل النكبة في العام 1948. والشواهد كثيرة جدا في ديوان الشعر العربي في الكويت، منها مثلا، ما قاله الشاعر خالد الفرج، في قصيدته عن وعد بلفور في العام 1929، ومنها:

“ما العيدُ عيد الساذجين إذا مضى عامٌ يعود/ يغْتَرُّ فيه البائس المسكين والطفلُ الوليد

ويَبَشُّ فيه ذو الحدادِ ودمعُهُ فوق الخدود/ فَرِحاً يجدِّدُ ثوَبهُ وثيابُهُ بالأَمس سود

لكنما عيد السياسة أَنْ تفوز بما تريد/ هذي فلسطينُ الوديعةُ في مصائبها تميد

ما ينقضي زلزالُهَا حتى تُزَلزَلَ من جديد”

والقصيدة طويلة يختمها الشاعر برؤية نقدية واعية ومبكرة للحال العربية، وفي انتقاد مباشر وجريء للأنظمة آنذاك:

“يا قومُ قد طلع النهار وأَنتُمُ فيه رقود/ قد بعتم الوطنَ المقدس للأَعادي بالزهيد

مَدُّوا لكم صنَّارةً هذا يصاد وذا يصيد/ فيها المناصب والمراتب والرواتبُ والنقود

تتطاحنونَ على السفاسف بين ضدكم اللدود/ وإِذا يقال هل امتلأُتمْ قُلتُمُ هل من مزيد”

وهذه الأبيات للشاعر فهد العسكر عن فلسطين بمناسبة قدوم البعثة التعليمية الفلسطينية إلى الكويت في العام 1936:

بالله يا رُسْل الثقافة خبِّرونا/ كيف حال الأخت يا إخواني

أعني فلسطيناً وكيف أمينها/ وجنودها وبقية السكان

بعد الكفاح وبعد ما بَثّ اليهود/ شرورهم فيها بكل مكان

وفي الثلاثينيات أيضا، قال الشاعر صقر الشبيب:

بني يعرب من فاته أمس سله/ حساما عن قومه يحسن الذبا

فما فاته أن تمنح اليوم كفه/ فلسطين ما يمحو به ذلك الذنبا

فجودوا بكثر المال والقل واذكروا/ هنالك أرحام العروبة والقربى

وغير كثير من القصائد الأخرى التي تضاعف عددها مرّاتٍ كثيرة بعد النكبة، فلا يكاد يوجد شاعر كويتي، يكتب بالعربية الفصيحة أم بالعامية المحكية أو النبطية، تجاهل القضية الفلسطينية في ما كتب. بل تغلغلت تلك القضية في الوجدان الكويتي وتفاصيل يومياته، ما يجعلنا نؤكّد على أهمية توثيق التاريخ الشعري، بل الثقافي عموما للقضية في وجدان الشعوب العربية، وخصوصا الخليجية، ما دام الخليج أصبح هذه الأيام من مصادر سيول التطبيع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *