الحريري يغير وجه تيار المستقبل، توسيع صلاحيات الرئيس وإلغاء المكتب السياسي.. فهل ينجح في العودة إلى رئاسة الحكومة اللبنانية

يُعقد يوم السبت المقبل المؤتمر الثالث لتيار المستقبل الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، في ظل أزمة سياسية واقتصادية متشابكة لم تمر على لبنان منذ سنوات طوال.

ينعقد المؤتمر في ظل تحديات يواجهها سعد الحريري، في تثبيت دوره السياسي بعد خروجه من السلطة على وقع احتجاجات التي أطاحت بحكومته وأسست مرحلة جديدة من الصراع بينه وبين الرئيس ميشال عون بسبب تمسكه بدفع صهره جبران باسيل ليخلفه في المنصب الأكبر.

تعديلات على نظام التيار

منذ استقالته من رئاسة الحكومة تحدثت أوساط تياره أنه سيتجه لعقد مؤتمر استثنائي لتيار المستقبل، وذلك بغية لمّ شمل بيته الداخلي، كحل ضروري لتقييم ما سبق من مسارات التجربة، وليتعلم من أخطائه، كما يقول مصدر مطلع على كواليس المؤتمر.

ويرى المصدر في حديثه لـ”عربي بوست” أن الحريري لم يعد له إلّا تياره الذي أصابه الترهل وتتنازعه الخلافات، بسبب إهماله له طوال سنوات توليه رئاسة الحكومة، وأنه سيعود ليعيد صياغة هيكليته التنظيمية بشكل يجعله الآمر الناهي، والمعنيّ بإدارة ورقابة كل ما يجري في حزبه، تعزيزاً لمركزية القرار والمسار.

وكشف المصدر لـ”عربي بوست” أن الحريري يتجه لتعديل النظام الداخلي للتيار خلال المؤتمر المزمع يوم السبت المقبل، ومن المتوقع أن يشارك 900 شخصية حزبية من كل المناطق اللبنانية، حسبما يقول المصدر.

كما أن الحريري سيغير نظام التيار المعروف بتشاركية في القرار، وسيلغي المكتب السياسي والأمانة العامة وسيتم توسيع مكتب رئيس التيار ليضمه وثمانية عشر عضواً بينهم خمسة نواب للرئيس، بعضهم بمهمات وآخرون بدونها، وسوف يوزع المهام على باقي الأعضاء على أن ينشئ لكل واحد منهم فريق عمل خاصاً به ضمن اختصاصه.

كما سينص النظام الداخلي الجديد على مجلس مركزي مشترك قد يصل عدد أعضائه إلى 150 شخصاً يضم كل الذين خرجوا من مواقعهم التنظيمية ويجتمع كل أربعة أشهر.

فيما ينوي الحريري أن يجعل من المؤتمر رسالة لكل الخصوم والحلفاء بأنه أعاد استجماع نفسه من جديد، وسوف يقود التيار والبيئة السنية إلى مكان آخر.

وتكشف  المصادر الخاصة لـ”عربي بوست” أن الحريري أوفد مجموعة من قيادات تياره لأنقرة قبل فترة للاستفادة من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، والذي يفوض رئيس الحزب صلاحيات أوسع في إدارة الحزب، لانشغال رئيس الدولة المنتخب من الحزب بإدارة ملفات الدولة.

مخاوف من بهاء والإخوان

في خلفيات المشهد المعلن، يعيش الحريري منذ أشهر هواجس متنقلة لا تنتهي، يطل شقيقه الأكبر بهاء على بيئته كمنقذ لإرث الحريرية، الذي يقول عنه إنه تلطخ بالتسويات والتنازلات، تارةً لحزب الله وتارةً للتيار الوطني الحر.

 ويسعى بهاء عبر ما يسمى “منتديات نبيل الحلبي” المدعوم من أبوظبي، حسبما تقول المصادر، لشق صف تيار المستقبل واستقطاب مناصري التيار ممن ضاقوا ذرعاً بسياسات شقيقه سعد.

 وتضيف المصادر أن بهاء يتواصل منذ فترة مع مجموعة من قيادات المستقبل ونواب الكتلة السابقين والحاليين لاستمالتهم لمشروعه السياسي، لكنه مازال يواجه معوقات كثيرة.

فيما يشعر شقيقه سعد الحريري بالخيبة من حزب الله الذي يعزز مواقع السنة المحسوبين عليه في تعيينات الدولة على حساب التيار الأزرق، بحجة أن الحريري بات في المعارضة.

 ويسعى حزب الله والتيار الوطني الحر للعبث بمراكز سُنية في جسم الدولة لصالح شخصيات سنية أخرى تدور في فلك الحزب ورئيس الحكومة حسان دياب، وهذا ما دفع سعد الحريري لتهديد بعض قيادات الحزب بأنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات إلغائه من الدولة.

فيما يخشى الحريري من تصاعد قوة الجماعة الإسلامية التي يقول عنها بعض مستشاريه المحسوبين على دوائر أبوظبي إنها تتلقى دعماً تركياً بعد اندلاع احتجاجات 17 تشرين، وهذا ما تنفيه الجماعة وأكده السفير التركي في بيروت خلال اجتماعه مع الحريري.

لكن الحريري أسرّ لبعض المقربين منه بأنه يرى في صعود قوة تنظيم الجماعة الإسلامية إشكالية كبيرة، وأن تقدم شعبية الإخوان المسلمين في لبنان يشكل لديه علامات استفهام حقيقية.

عودة الحرس القديم

منذ اتخذ سعد الحريري قراره التاريخي بالمضي بانتخاب ميشال عون لرئاسة الجمهورية والقبول بالوزير جبران باسيل شريكاً في عام 2016، اشتبك الحريري مع صقور تياره الذين لم يتركوه في كل معاركه السياسية.

 حاول هؤلاء إثناءه عن المضي في شراكة سياسية يقودها مرشح حزب الله للرئاسة، وعن مشاركة صهره الذي يتدخل في إدارة البلاد، خشية أن يخسر الدعم الإقليمي، إلا أن الحريري عارض هذا الرأي، وقرر تهميش صقور مشروعه السياسي بزعم أنه لا يحب المعارضة الداخلية.

 لكن مع انهيار التسوية وبدء وقوع مواجهة بينه وبين الرئيس ميشال عون وصهره باسيل، عاد الحريري يتواصل مع رموز المواجهة التاريخية وباتوا ضيوفاً على اجتماعات كتلته النيابية التي تقلصت بعد انتخابات 2018، فأصبحت 18 نائباً بعدما كانت تتجاوز 30 نائباً.

تعلم الحريري الدرس، وعلم أنه مضطر للقبول بفكرة فشله في التسوية، وبات لزاماً عليه إعادة ترتيب عودة شركاء نضاله بعد نصيحة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان له في آخر لقاء جمعهما بضرورة استجماع قوة تياره والعمل على إثبات نفسه في مواجهة خصومه.

 لذا فإن أولى الخطوات بتعزيز حضور الحرس القديم في التيار جاءت بتعيين وزير الداخلية السابق أحمد فتفت رئيساً للمؤتمر العام الاستثنائي في رسالة تبدو موجهة للداخل والخارج.

السعودية كلمة السر

وكانت مصادر خاصة قالت لـ”عربي بوست” في وقت سابق إن نشاط الحريري الذي بدأه منذ أشهر يأتي بعد لقاء جمعه بولي عهد السعودية محمد بن سلمان بعد غياب طويل بين الرجلين، وأن لقاءهما أتى بوساطة فرنسية.

 وتقول المصادر إن الحريري وبن سلمان سمعا وجهات نظر بعضهما البعض، وخلصت الجلسة لعودة الحريري لبيروت واستجماع تياره ومعاودة مخاطبة الشارع المتفرق نتيجة التسوية التي جرت منذ سنوات والتي باعدت بين الرجل وقاعدته السياسية.

وأمام عودة الرجل للعب دور سياسي جديد يبدو القلق سيد الموقف، فوفق مصادر مطلعة، فإن المؤتمر سيكون بمثابة صفعة لكل محاولات الانشقاق عن الحريري والذي استطاع سحب البساط من هؤلاء عبر حصوله على دعم رؤساء الحكومات السابقين.

ويقول قيادي سابق في تيار المستقبل لـ”عربي بوست” إن المؤتمر المزمع يوم السبت المقبل لن يضيف شيئاً جديداً لمسار التيار، طالما أن الحريري لا يزال يحيط نفسه بمستشاريه الذين أقنعوه بالتسوية مع حزب الله والتيار الوطني الحر، مثل أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري، والوزير السابق غطاس خوري.

 ويضيف أن الحريري يتخبط من جديد لإثبات نفسه بأنه حاضر في المعادلة، لكنه لن يقوى على زعامة طائفة ساهم بتهشيم صورتها وتقليص صلاحياتها، وأنه سيواجه في أقرب استحقاق انتخابي هزيمةً مدوية تحت عنوان “لن نجدد لك البيعة، لأنك خذلتنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *