(موقع بريطاني: محمد بن زايد يخاطر برهان فاشل على تحويل الإمارات إلى دويلة مثل إسرائيل)

لندن القدس العربي :

نشر موقع ميدل إيست آي مقالا لمحرره ديفيد هيرست تحت عنوان مهمة محمد بن زايد المستحيلة . وقال فيه إن ولي عهد أبو ظبي حول بلده إلى دويلة جديدة مثل إسرائيل.  وأشار الكاتب إلى دور الحاكم الفعلي للإمارات، ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، في قيادة الثورات المضادة بعد الربيع العربي عام 2011 وما جلبه من مظهر للديمقراطية في مصر مثلا. الدور الإماراتي الذي أطلق العنان لسلسلة من التدخلات العسكرية، الانقلابات والحروب الأهلية المستمرة بدون إشارة عن التعب والإجهاد

ويؤكد أنه برغم كل الانتكاسات لا تزال الثورة المضادة التي خرجت للعلن بعد فوز محمد مرسي في انتخابات مصر مستمرة وبشراسة، وقد انتجت ديكتاتوريين متشابهين مثل محمد بن سلمان في السعودية وعبد الفتاح السيسي في مصر وخليفة حفتر في ليبيا، وكلهم يحتقرون الانتخابات الحرة ويعيشون مثل الفراعنة وصنعوا حكما وراثيا لعائلاتهم وأبنائهم. وكلهم مدينون بالفضل لرجل واحد هو محمد بن زايد سلحهم ومولهم وأرشدهم للوصول إلى السلطة

وقد نظم الرجل انقلاب مصر وأصبح لاعبا مهما في الحرب الأهلية واستخدم نفوذ بلاده في مجال الموانئ لتأكيد حضورها في القرن الأفريقي ودفع السعودية للحرب في اليمن كي يروج لنجل الرئيس علي عبد الله صالح ثم تخلى عنه ودعم الانفصاليين باليمن. كما ولعب دورا مهما في الحصار على قطر، وقدم لترامب أميرا غير معروف في السعودية وأطاح برجل المخابرات الأمريكية في الرياض. ولا توجد كعكة لم يضع فيها محمد بن زايد اصبعه فيها

ويشير الكاتب أنه من النادر أن يلقي خطابات ويجري مقابلات وعندما يفعل يبدو كرجل عادي متحفظ ويتحدث بهدوء. وفي المرة الوحيدة التي تحدث فيها مع صحافي نيويورك تايمز روبرت وورث قدم نفسه كرجل متردد ورجل أطفاء يطفئ الحرائق، قال إن هجمات أيلول/سبتمبر التي شارك فيها إماراتيان بالإضافة للربيع العربي الأسباب التي تحركه

ولكن ليس هذا هو كل القصة، فمع تطور رؤيته المضادة ازدادت طموحاته. فحديثه عن مواجهة الخطر الإسلامي لم يعد يفسر طموحه ومدى وثمن أحلامه، فالخطر الإسلامي الذي عاش في كوابيسه أصبح خامدا. وكمراقب ماهر كان يعرف كأي شخص أن الولايات المتحدة تتداعى كقوة منظمة في الشرق الأوسط. وعرف كيفية التلاعب بالقرار في البيت الأبيض. وقرأ الجهل والغرور والجشع الشخصي هناك، فأمواله تذهب مباشرة إلى جيوب الفاعلين هناك. وربما دار في ذهنه أن الشرق الأوسط بات بحاجة إلى زعيم جديد، ولماذا لا يكون هو؟  وقد حان الوقت للخروج من الظل وأن يبني دكانه.  ولكن ما هي المهمة؟ يجيب هيرست أنها باتت واضحة من مقالة رجله في الخارج يوسف العتيبة التي نشرها قبل فترة في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية. وفي مقالته المنشورة بالعبرية ووجها للقارئ اليهودي قال إنه كان واحدا من ثلاثة سفراء عرب كانوا في الجناح الشرقي من البيت الأبيض عندما أعلن دونالد ترامب عن رؤيته للسلام في الشرق الأوسط. وحذر في مقالته أن الضم هو خطوة بعيدة. وفي الحقيقة لم تكن الرسالة التي وجهها السفير الإماراتي في واشنطن قادمة من الفلسطينيين أنفسهم، فلا مشكلة لدى الإمارات من احتلال اسرائيلي دائم. وقد قامت بإرسال طائرتين محملتين بالملابس الواقية من فيروس كورونا إلى مطار بن غوريون ووقعت عدة عقود كبرى مع إسرائيل وتأكيد نيتها على التطبيع. فالأيام التي كان يتم فيها إخفاء الرحلات الجوية إلى إسرائيل وتعميتها على أنها للأردن قد مضت. وباتت الإمارات وإسرائيل قطعة واحدة ولا حاجة لأن يخفي شخصان حبهما وراء الغابة. ولم تكن الرسالة من الأردن التي ترى في ضم الضفة الغربية تهديدا وجوديا

وظهر في النهاية أن الرسالة هي بحد ذاتها قادمة من اليهود الليبراليين في أمريكا لليمين المتطرف في إسرائيل. والرجل الذي يقف وراءها هو رجل الأعمال الأمريكي- الإسرائيلي الميلياردير حاييم سابان، حسب تقرير في موقع أكسيوس . وقالت مستشارة سابقة لبنيامين نتنياهو وهي كارولين غليك إن الرسالة من بنات أفكار سابان

ولم تكن الرسالة تهم الرأي العام العربي ولكنها احتوت على نقطتين عبر عنهما العتيبة وهي أن الإمارات وإسرائيل يمكنهما إقامة تعاون أمني ناجع، خاصة أن القلق واحد من الإرهاب والعدوان ويتمتعان بعلاقة قوية مع الولايات المتحدة. أما الثانية فهي التعاون الاقتصادي، خاصة أن اقتصاد كل منهما متنوع ومتقدم. ويشي كلام العتيبة أن الإمارات لديها جيش أقوى من مصر والسعودية بل ولديها أقوى اقتصاد وأكثر تنوعا في العالم العربي.  فهذه مزاعم لدولة محمد بن زايد يتفاخر فيها فـ أسبرطة الصغيرة لديها طموح كبير. فمن خلال مقارنة جيشها بإسرائيل تجاوز محمد بن زايد جيوش السعودية ومصر، وهذا ليس مهما له لأنه يريد تحويل بلاده إلى دويلة أخرى مثل إسرائيل. وكلا البلدين صغيران في الحجم وعددا السكان، وكلاهما مجتمعان عسكريان. إسرائيل لديها جيش المواطن وفي الإمارات تم فرض الخدمة العسكرية عام 2014 وزادت مدته من 12- 16 شهرا. وكلاهما لديها اقتصاد يمتد خارج حدودهما إلى قلب أفريقيا. وإذا أثبتت إسرائيل أن يدها الطويلة تصل إلى عنتيبي فإن الإمارات لديها ذراع طويلة تصل إلى ليبيا، تركيا وسوريا وبعيدا عن الخليج. وكلا البلدين لديهما تجمعات سكانية حركية وأعداء مشتركون: الإسلاميون، تركيا وإيران. ولديهما استراتيجية مشتركة في المنطقة، فالتحدي الأكبر لهما في المنطقة هما تركيا وإسرائيل

ويواجه الإماراتيون الرئيس رجب طيب أردوغان مباشرة، ومولوا محاولة انقلاب نظمها الغولونيون، أتباع فتح الله غولن عام 2016، ويعارضون قواته في إدلب من خلال تمويل الأسد لخرق وقف إطلاق النار ويواجهون تركيا في ليبيا. وعندما تم ضرب قاعدة الوطية في ليبيا بعد سيطرة قوات حكومة الوفاق عليها كتب المستشار للبلاط الإماراتي عبد الله عبد الخالق تغريدة قال فيها لقنت الإمارات درسا للأتراك نيابة عن العرب ، مع أنه حذفها لاحقا. ولكن إسرائيل تقول بشكل خفي أنها تتعامل مع الجيش التركي كتهديد رئيسي. كما وأخبر يوسي كوهين، مدير الموساد مسؤولين سعوديين وإماراتيين ومصريين أن الجيش التركي يمثل تهديدا من الصعب احتواؤه أكثر من الجيش الإيراني. وبالمقابل لم تواجه الإمارات إيران حتى عندما ضربت ناقلاتها، فهذه مهمة إسرائيل التي يعتقد أنها مسؤولة عن تفجيرات في مفاعل نانتز وربما ستة تفجيرات غامضة أخرى. وعلى الساحة الإقليمية تعمل إسرائيل والإمارات بشكل مترادف. كل هذا لا يعني أن المشروع مستقر على المدى البعيد. فقد تجد إسرائيل من المفيد العمل مع محمد بن زايد وخدمة غروره وإبقاء الفلسطينيين تحت احتلال دائم، لكن مصالحها القومية تأتي أولا. وردت غليك غاضبة على مقالة العتيبة في إسرائيل اليوم قائلة ألا أحد يقدم منافع لأحد والطرف القوي في هذه العلاقة هي إسرائيل، فلهما اقتصاد قوي ومستقر احسن من اقتصاد الدولة الخليجية النفطية  و من يعتقد العتيبة أنه يخيف بتهديداته عندما يباع برميل النفط بـ 37 دولارا وفي لعبة حارس المنطقة يجب ألا يكون هناك إلا كلب واحد، ولا نية لإسرائيل مشاركة عربي لديه أفكاره فوق طاقته بها

ويرى هيرست أن المشكلة الثانية في مهمة محمد بن زايد هي حلفاء بن زايد السنة. فعندما تكتشف النخبة العسكرية في السعودية ومصر أن مصالحها التجارية والعسكرية متضررة فستبدأ بالنظر لمغامرات بن زايد بطريقة مختلفة. فالاتفاقية البحرية التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الوطني تعطي مصر أكثر مما يقدمه أي اتفاق مع قبرص واليونان وإسرائيل، إلا ان القاهرة رفضت الاتفاق باعتباره غير شرعي. وبنفس السياق فاليمن الذي قسمته الإمارات واحتلت جزيرة سقطرى فيه وعززت الانفصاليين في الجنوب ليس من مصلحة السعودية، المهتمة بحماية حدودها الجنوبية وتنصيب حكومة تابعة لها في صنعاء. ويقول هيرست إن على إسرائيل ألا تخدع بتعبيرات الدعم الذي أطلقها حكام ولايات في طبرق وليبيا مثل عبد السلام البدري، نائب رئيس وزراء حكومة الشرق وهاني بن بريك رئيس المجلس الجنوبي الانتقالي، السلفي. والتاريخ لا يرحم فكل دولة عربية عملت مع إسرائيل أو اعترفت بها أصبحت اليوم ضعيفة وممزقة. وهذا يصدق على مصر والأردن التي كان يعتقد دبلوماسيوها أنهم كانوا روادا ولكنهم اليوم نادمون على ما فعلوه باسم السلام. فقد اكتشفوا أنه كان فجرا كاذبا. ووعد البلدان بتحقيق معجزات اقتصادية وباتت المشكلة الفلسطينية مستعصية أكثر من أي وقت مضى، أما فلسطين التاريخية فضعيفة وأصغر. اما الأردن الذي عمل مع إسرائيل أكثر من اي دولة فهو يسير نحو حافة الإفلاس ويعاني من بطالة عالية وانهيار اجتماعي، ومصالحها الإستراتيجية في الضفة الغربية والقدس لا مكانة لها في الجناح اليمني المتطرف الذي يقود إسرائيل. وتسأل فتح التي اعترفت بإسرائيل لماذا فعلنا هذا في أوسلو؟ ويقرب قادتها النقاش إلى منافستهم حماس. ويقول هيرست أن المداعبة بين الإمارات وإسرائيل فاشلة، لأنها مبادرات شخصية وليست شعوب، ومن يتآمر ويخطط هو محمد بن زايد وليس دولته. فالشارع العربي يرفض الاعتراف بإسرائيل قبل تحقيق حل عادل وشامل للفلسطينيين ودولة على أرضهم. ومشروع محمد بن زايد مع إسرائيل هو سم للمنطقة، فإسرائيل لا تريد التعايش مع جيرانها ولكنها تريد إظهار حماقتهم. وقبل سوريا وليبيا لم يكن لدى تركيا سياسة تدخل عسكري، وصارت اليوم. ولم يتجاوز تأثير إيران أبعد من الأقليات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان، مع دعمها لحزب الله وحماس. ولم تهدد إيران إسرائيل أبدا عسكريا كما اعترف كوهين نفسه قبل عام. وفي النهاية فمهمة محمد بن زايد مستحيلة، وكلما اكتشف حلفاؤه العرب سيتم منع عقدا ثانيا من الحرب الإقليمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *